أبي حيان التوحيدي
277
المقابسات
بينه وبين الخلاص من أسر هذا العالم وتدبيره بهذه الاستقصات . وهذه التخلية هي التي تسمى موتا ؛ وانما هي تحول من مكان إلى مكان . فالفرق مصحوب ، والخوف قائم ، والظن مترجح ، والامل بين رياح عواصف . فكلما كان استعجام الحال أشد كان الامل أضعف ، وكلما كان الامر أبين كان الشوق إليه أعظم فاما ما يتعلق بحديث الناموس الإلهي الشارع لطرق الخيرات القائدة إلى غاية السعادات ، فإنه أيضا إنما يشتد ذلك ويكثر ويتضاعف ، لان للنفس الفاضلة مباحث كثيرة في شأن من هذا نعته وكميته . وتلك المباحث هي مسالك الخير المأمول ، ومراقي السر المعلوم والمجهول ، فالشغف والفكر والنظر إنما يتضاعف في شأن هذا الشخص ليقبس من نوره ، ويهتدى بأمره ونهيه ، ويظفر بتنقيه النفس من جهته بقوله وفعله ويمنه وبركته فأما ما يرتقى عن هذه الحدود إلى الغاية الأولى والغاية القصوى ، فذلك بطلب النفس وسكونها [ سكونا ] لا قلق بعده ، وطمأنينة لا يخطر بعدها . فبحق كانت هذه الخواطر سانحة ، وهذه المشاعر فاتحة ، وهذه الأواخر مشهودة ، وهذه الأوائل موجودة . وبقدر تواليها وتعاقبها ، وتوافيها وتقاربها ، تكون نقطة الانسان في اكتساب الإلهية الحسنة ، والقنية الباقية ، والاخلاق الإلهية من العلم والحكمة ، والجود والسماحة ، والعفاف والهمة العالية ، والشجاعة البينة ، والخير والعدالة ، والتقديس والنزاهة . فلا عدة للنفس الحكيمة ، والطبيعة الكريمة ، إلا هذه الفضائل التي هي ينابيع الخيرات ، ومصابيح الغايات ، وثمرات هذه الحياة . ثم قال : واللّه نسأل توفيقا ندوم به على هذه المحجة البيضاء ، واللّقم الافيح « 1 » ثم نزداد بصيرة إلى التمسك بما عادت جدواه علينا عاجلا وآجلا ، ببذل الغاية ، وتقديم الحرص ، ورفض الدنيا ، ومجانبة قرناء البطالة وأبناء الهوى والشهوة ، فإنه مجيب من دعاه ، وكافى من استكفاه
--> ( 1 ) اللقم الأفيح : الطريق الواضح الفسيح